ضياء الدين بن الأثير الجزري الموصلي
تقديم 10
الوشى المرقوم في حل المنظوم
أعفته من الخضوع لسلطته الفنية ، انطلاقا من النظر إليه - بمعايير الصناعة - على أنه المادة التي يجرى فيها الأديب عمله ، ويحدث فيها صورة المصنوع ، ولما كان الحكم على عمل الصانع في مادته وما أحدث فيها من شكل وصورة خارجا عن الحكم على المادة ذاتها ، كانت المعاني كذلك خارجة عن نطاق النظر الفنى للناقد ، فهو إما أن يتجاوز عن الوقوف عليها ، أو يقف عليها من منظور اجتماعي خارج عن مجال الفن . [ انظر : نقد الشعر لقدامة 19 - 22 ] . وانطلاقا من هذا المبدأ أعفى المعنى من أن يسأل عن جوهره أو مادته - كمحتوى أي أعفى من النظر الأخلاقي ، وصرح قدامة ت 337 ه في ما يشبه القانون بأن « فحاشة المعنى في نفسه [ ليست ] مما يزيل جودة الشعر فيه » وأن « على الشاعر إذا شرع في أي معنى كان من الرفعة والضّعة ، والرّفث والنزاهة ، والبذخ والقناعة ، والمدح ، وغير ذلك من المعاني الحميدة أو الذميمة . . أن يتوخى البلوغ من التجويد في ذلك إلى الغاية المطلوبة » [ نقد الشعر 4 ، 5 ] . كذلك أعفى المعنى من الحكم عليه بالنظر إلى تاريخه : أي من حيث هو جديد مبتكر أو قديم مبتذل ، وتم الفصل بين الجدّة والجودة ، فلا ينبغي وصف معنى بالجودة لمجرد أنه جديد ، ولا بالرّداءة لمجرّد أنه معاد ، ذلك ما يوضّحه قدامة : « لأن المعنى المستجاد إنما يكون مستجادا إذا كان في ذاته جيدا ، فأما أن يقال له جيد إذا كان قاله شاعر من غير أن يكون تقدمه من قال مثله فهذا غير مستقيم . . . والذي عندي في هذا الباب أن الوصف فيه لاحق بالشاعر المبتدئ بالمعنى الذي لم يسبق إليه لا إلى الشعر ، إذ كانت المعاني مما لا يجعل القبيح منها حسنا سبق السابق إلى استخراجها ، كما لا يجعل الحسن قبيحا الغفلة عن الابتداء بها ، وأحسب أنه اختلط على كثير من الناس وصف الشعر بوصف الشاعر ، فلم يكادوا يفرقون بينهما » [ نقد الشعر 149 ] وصرح أبو هلال بأن : « ابتكار المعنى والسبق إليه ليس هو فضيلة ترجع إلى المعنى ، وإنما هو فضيلة ترجع إلى الذي ابتكره وسبق إليه ، فالمعنى الجيد جيد وإن كان مسبوقا إليه ، والوسط وسط والردىء رديء وإن لم يكونا مسبوقا إليهما » [ الصناعتين 203 ] .